الآلوسي

356

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

فجيلا حتى عبدت ، فالآية إشارة إلى ذلك ، والمعنى إنما اتخذ أسلافكم من دون اللّه أوثانا إلخ ، ومثله في القرآن الكريم كثير ، وثاني مفعولي اتخذتم محذوف تقديره آلهة . وقال مكي : يجوز أن يكون اتخذ متعديا إلى مفعول واحد كما في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ [ الأعراف : 152 ] ورد بأنه مما حذف مفعوله الثاني أيضا ، وجوز أن يكون مودة هو المفعول الثاني بتقدير مضاف أي ذات مودة وكونها ذات مودة باعتبار كونها سبب المودة ، وظاهر كلام الكشاف أن المضاف المحذوف هو لفظ سبب ، وقد يستغنى عن التقدير بتأويل مودة بمودودة ، أو بجعلها نفس المودة مبالغة ، واعترض جعل مودة المفعول الثاني بأنه معرفة بالإضافة إلى المضاف إلى الضمير والمفعول الأول نكرة وذلك غير جائز لأنهما في الأصل مبتدأ وخبر . وأجيب بأنه لا يلزم من غير جواز ذلك في أصلهما عدم جوازه فيهما ، وإذا سلم اللزوم فلا يسلم كون المفعول الثاني هنا معرفة بالإضافة لما أنها على الاتساع فهي من قبيل الإضافة اللفظية التي لا تفيد تعريفا وإنما تفيد تخفيفا في اللفظ ، كذا قيل : وهو كما ترى . وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر « مودة » بالنصب والتنوين بينكم بالنصب ، والوجه أن مودة منصوب على أحد الوجهين السابقين و « بينكم » منصوب به أو بمحذوف وقع صفة له ، وابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس « مودة بينكم » برفع مودة مضافة إلى بين وخفض بين بالإضافة ، وخرج الرفع على أن مودة خبر مبتدأ محذوف أي هي مودة على أحد التأويلات المعروفة ؛ والجملة صفة أوثانا ، وجوز كونها المفعول الثاني أو على أنها خبر إن على أن ما مصدرية ، أي إن اتخاذكم ، أو موصولة قد حذف عائدها وهو المفعول الأول ، أي إن الذي اتخذتموه من دون اللّه أوثانا مودة بينكم ، ويجري فيه التأويلات التي أشرنا إليها . وقرأ الحسن وأبو حيوة وابن أبي عبلة وأبو عمرو في رواية الأصمعي والأعشى عن أبي بكر « مودة » بالرفع والتنوين « بينكم » بالنصب ، ووجه كل معلوم مما مر . وروي عن عاصم « مودة » بالرفع من غير تنوين و « بينكم » بفتح النون ، جعله مبنيا لإضافته إلى لازم البناء فمحله الجر بإضافة مودة إليه ، ولذا سقط التنوين منها . وفي قوله تعالى : فِي الْحَياةِ الدُّنْيا على هذه القراءات والأوجه فيها أوجه من الإعراب ذكرها أبو البقاء . الأول : أن يتعلق باتخذتم على جعل ما كافة ونصب مودة لا على جعلها موصولة أو مصدرية ، ورفع مودة لئلا يؤدي إلى الفصل بين الموصول وما في حيز الصلة بالخبر . الثاني : أن يتعلق بنفس مودة إذا لم يجعل بين صفة لها بناء على أن المصدر إذا وصف لا يعمل مطلقا ، وأجاز ابن عطية هذا التعلق وإن جعل بين صفة لما أنه يتسع بالظرف ما لم يتسع في غيره ، فيجوز عمل المصدر به بعد الوصف . الثالث : أن يتعلق بنفس بينكم لأن معناه اجتماعكم أو وصلكم . الرابع : أن يجعل حالا من بينكم لتعرفه بالإضافة . وتعقب أبو حيان هذين الوجهين بعد نقلهما عن أبي البقاء كما ذكرنا بأنهما إعرابان لا يتعقلان . الخامس : أن يجعل صفة ثانية لمودة إذا نونت وجعل بينكم صفة لها ، وأجاز ذلك مكي وأبو حيان أيضا . السادس : أن يتعلق بمودة ويجعل بينكم ظرفا متعلقا بها أيضا ، وعمل مودة في ظرفين لاختلافهما . السابع : أن يجعل حالا من الضمير في بينكم إذا جعل وصفا لمودة والعامل الظرف لأن العامل في ذي الحال هو العامل في الحال ، ولا يجوز أن يكون العامل مودة لذلك . وقال مكي : لأنك قد وصفتها ومعمول المصدر متصل به فيكون قد فرقت بين الصلة والموصول بالصفة . وعن ابن مسعود أنه قرأ « إنما اتخذتم من دون اللّه أوثانا إنما مودة بينكم في الحياة الدنيا » بزيادة « إنما » بعد أوثانا ورفع « مودة » بلا تنوين وجر بين بالإضافة وخرجت على أن مودة مبتدأ وفي الحياة الدنيا خبره ، والمعنى إنما توادكم عليها أو مودتكم إياها كائن أو كائنة في الحياة الدنيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يتبدل الحال حيث يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ وهم العبدة بِبَعْضٍ